هذه ترجمة للنص الفارسي الأصلي. النص الأصلي بالفارسية
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وَ لَقَدْ اَرسَلنْا موسی بِایاتِنا اَنْ اَخرِجْ قَومَکَ مِنَ الظُّلُماتِ اِلی النّورِ وَ ذَکِّرْهُم بِاَیّامِ الله
إنّ الأيام الأولى من شهر مهر تُذكّر بأيّام الله، وبالظاهرة العظيمة الخالدة للدفاع البطولي الذي خاضه الشعب الإيراني ثماني سنوات في الحرب المفروضة الأولى. ففي تلك الأيام، كان الإشعاع الدافئ لشمس الثورة في ربوع أرض إيران ينشر شعورًا عذبًا بالتلاحم الوطني والوفاء لمدرسة الإسلام الثوري ونهجه، أخذت بأثره جليديّاتُ الهيمنة والاستعمار القديم والحديث تذوب. وفي تلك الأيام، كان بعض أبناء الشعب الإيراني يحتفظون في ذاكرتهم بما جرى قبل نيّف وعشرين عامًا من عداء المستعمرين، والأحداث المتعلّقة بتأميم صناعة النفط والانقلاب الأمريكي. وكان آخرون قد سمعوا بأخبارها، وكثير منهم قد لمسوا جيّدًا حقيقة ما جرّه تسلّط الأجنبي على شؤون بلادنا من ويلات. أمّا الأيام التي سبقت ذلك، فكانت أيامًا حالكة مظلمة، كان سفراء الدول المستكبرة يُبلغون فيها شاه البلاد بما يجب وما لا يجب، وكان هو ينفّذ ذلك برغبة أو على مضض، إلى أن قلبت الثورة العظيمة للشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني تلك البساط. وقد أفضت تلك الأيام المظلمة، بفضل هذه الثورة، إلى أيام مشرقة بإقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد ثقل هذا الأمر كثيرًا على المتسلّطين الذين كانوا قد طمعوا في ثروات هذه الأرض، وارتكبوا سنوات طويلة شتّى أنواع الإساءة بحقّ أهلها سعيًا للاستئثار بها. ولذلك سخّروا منذ ذلك الحين كلّ همّهم وجهدهم لإعادة مجرى النهر الهادر للشعب الثائر إلى اتجاهه السابق، وكانت الحرب المفروضة الأولى أهمّ ما أقدموا عليه في العقد الأوّل من الحياة المباركة للجمهورية الإسلامية.
ومن قلب نار تلك الحرب التي أشعلها حزب البعث المعادي للشعب، متوهّمًا حربًا تدوم بضعة أيام ونصرًا قليل الكلفة، نهض النظام الإسلامي كطائر العنقاء أكثر شموخًا وقوّة من ذي قبل، بصوتٍ أعلى وتحليقٍ أرفع ممّا كان؛ وصارت هذه سمةً دائمة لهذا النظام في الأحداث التي صنعها الأعداء لاحقًا.
إنّ تلك الأيام التي كان عدوّ هذا الشعب قد سلّط فيها عملاءه عليه ومارس شكلًا جديدًا من الاستعمار، قد تحوّلت ببركة الثورة ورفع راية الإسلام والجهاد في خضمّ الحرب المفروضة، إلى أيام مجيدة، لا تزال بعد مرور 38 عامًا على نهايتها تتجلّى من خلال تأمّل تفاصيل أحداثها والروايات الصادقة لمن بقي من رجالها، نماذجُ يقدّم كلٌّ منها درسًا في العبادة والشجاعة والمقاومة والأخلاق والإنسانية، كأنها نجوم ساطعة على جبين تاريخ بلادنا.
وتلك الأيام التي ورثت فيها بلادنا، مع بداية هجمات أذناب نظام الهيمنة، أيديًا خاوية من نظام الطاغوت للدفاع عن نفسها في وجه كثير من التهديدات، قد بلغت اليوم ببركة إقامة الحقّ والمدد الإلهي أيامًا صار فيها المتسلّطون المعتدون أنفسهم، لا أتباعهم، يبحثون عن ملجأ أمام هجمات مقاتلي الإسلام، ويمدّون أيدي التوسّل لوقف الحرب.
إنّ تلك الأيام التي يودّون إعادة بلادنا إليها كانت أيامًا مليئة بالتخلّف والذلّ والهوان والتبعية وسوء سمعة إيران في العالم الإسلامي؛ أمّا هذه الأيام التي نعيشها فهي مليئة بالتقدّم والعزّة والاستقلال وأعلى درجات المكانة في العالم الإسلامي بل في العالم كلّه. واليوم يعدّنا بعضهم القوّة العظمى الرابعة في العالم. وهم بالطبع يقولون ذلك وفق حسابات دنيوية؛ ولكنّ الحسابات الإلهية تعدّ البلدَ الذي يرى نفسه منتميًا إلى العترة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويتعلّق معظم أبنائه بأولئك الأجلّاء، ولا يهابون في سبيل إقامة الحقّ، القوّةَ الأولى في العالم.
في تلك الأيام كان البحران الواقعان جنوب إيران ميدانًا تجول فيه قوات العدوّ، أمّا في هذه الأيام، فإنهم بسبب الضربات الموجعة التي تلقّوها من المقاتلين الشجعان وحماة مضيق هرمز، لا يتقدّمون أبعد من بحر العرب، وكلّما خاطروا بذلك ألحقوا الأذى بأنفسهم؛ وقريبًا سيُخلي بحر العرب نفسه منهم أيضًا.
كانت هناك أيام أخلى فيها المتسلّطون شوارع العاصمة بالعمليات النفسية وإشاعة أجواء الترهيب، ودبّروا انقلابًا على تطلّع هذا الشعب إلى الاستقلال، ثم نهبوا ثروات هذا البلد خمسةً وعشرين عامًا؛ أمّا في هذه الأيام، فإنّ مواطنينا منذ سبعة أشهر يزيّنون الساحات والشوارع في أرجاء البلاد بحضورهم المسؤول المفعم بالحماسة، كي تطمئنّ قلوب مقاتلي الإسلام ويغرق العدوّ في الرعب. كما أعلن أكثر من 30 مليون إيراني استعدادهم للتضحية بأرواحهم، وحين تقرّر إجراء نوعٍ من التنظيم بناءً على إعلانهم المتجدّد للحضور، استُكملت في غضون المئة دقيقة الأولى وحدها السعة المطلوبة البالغة أكثر من خمسمئة ألف شخص. والآن تشهد أرجاء إيران الإسلامية، المزدانة بحضور الإيرانيين من مختلف القوميات، إعلانات متنوّعة عن الجهوزية، ولا سيّما الجهوزية المسلّحة، لصنع ساحة تُكسبهم الذكر الحسن وتُلحق بعدوّهم العار.
كانت هناك أيام يُعرَف فيها عنصر الشجاعة لدى أهل هذه الديار برجالها؛ أمّا الآن فنحن في أيام تسبق فيها النساءُ الرجالَ في بعض ميادين الحضور الشجاع.
كانت هناك أيام سعى فيها العدوّ إلى إضعاف القاعدة الاجتماعية للنظام باستمرار، أمّا في هذه الأيام، فإنّ مختلف شرائح المجتمع، على ما بينها من تباينات واضحة، تتمسّك بمواقفها المحقّة، ومنها الحفاظ على مضيق هرمز الزاخر بالخير والبركة.
وهذه المقارنة بين الأيام السابقة والأيام الحاضرة قابلة لمزيد من البسط والتوضيح، ولكنّني أقول في كلمة واحدة، بصفتي خادمًا للشعب الإيراني العزيز: إنّ تلك الأيام الماضية التي يتمنّى عدوّنا العودة إليها قد ولّت، ولن تتكرّر أبدًا. ولا بدّ لي بالطبع أن أذكّر بألم وحزن بأنّ مكان الخميني الكبير والخامنئي العظيم الشأن الشهيد أعلى الله مقامهما الشريف، اللذين تدين عزّة البلاد اليوم لقيادتهما، شاغرٌ جدًّا في هذه الأيام. غير أنّه ببركة الكنز الثمين الذي خلّفاه لأتباعهما من سيرتهما وكلماتهما المضيئة الهادية، ستكون الأيام المقبلة أعظم شأنًا بمراتب من هذه الأيام؛ لأنّ تلك العنقاء التي انبعثت من كومة نار الحرب المفروضة الأولى، قد كبرت الآن بفعل ضغوط العدوّ، ولا سيّما الحربين المفروضتين الأخيرتين، إلى حدٍّ أنّ ظلّ تحليقها قد امتدّ إلى أراضي العدوّ أيضًا.
وفي هذا المقام، يجدر كثيرًا بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد الأمير العربي البطل والرمز الكبير لجبهة المقاومة، الشهيد الجليل القدر سماحة السيّد حسن نصر الله قدّس الله نفسه الزكيّة، أن نستذكره. ذلك الذي كان ناصحًا صادقًا لشعبه ولمدرسته، وكانت خطبه الصادقة العذبة وخطواته الشجاعة تشدّ قلوب أبناء شعبه بل قلوب أحرار العالم. ذلك الذي رفع اسم لبنان، البلد الصغير الذي ظلّ سنوات طويلة حديقةً خلفية لبعض القوى، إلى مراتب العظمة. ذلك الذي كان النصر والفتح رفيقيه الدائمين، والذي لم ينهض بلا شكّ، على امتداد تاريخ بلاد الشام كلّه حتى اليوم، بعد الأنبياء وأوصيائهم، رجلٌ بعظمته في تلك البقعة العريقة. وها هي رايته المجيدة اليوم في يد سماحة الشيخ نعيم قاسم حفظه الله، الذي يواصل نهجه ببسالة في طليعة صفوف حزب الله المتراصّة العاشورائية.
إنّ هذه الأيام التي يعيشها لبنان هي، في محكمة التاريخ بل منذ الآن، أيام بارزة مجيدة له ولجميع مجاهدي المقاومة، وأيام مذلّة ومخزية في نهاية المطاف لأولئك الذين علّقوا آمالهم، في مواجهة العدوّ الصهيوني، على الوعود الكاذبة للمتسلّطين ومن يضمرون لهم السوء. أولئك الذين، على خلاف سيّد شهداء المقاومة والسيّد هاشم صفيّ الدين ومجاهدي المقاومة الحاليين الذين سيظلّون على مرّ الزمان يتلألؤون كالنجوم الساطعة ويهدون التائهين في الحيرة، سيُدفَنون ويُنسَون سريعًا جدًّا عند أوّل تصفّح لصفحات التاريخ، وكلّما ذُكروا في المستقبل، كانوا مذكِّرين بالسوء وسوء التدبير بل وربّما بالخيانة.
وفي الختام، آمل باستمرار الألطاف الإلهية ودعاء مولانا الخاصّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف وأرواحنا فداه، ألّا يلقى الشعب الإيراني وجميع أنصار المقاومة إلّا النصر والفتح والعزّة، وألّا يلقى أعداؤهم إلّا الهزيمة والذلّ؛ بمنّ الله وكرمه.
السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، 6 مهر 1405 هـ.ش