هذه ترجمة للنص الفارسي الأصلي. النص الأصلي بالفارسية
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مُحمّدٌ رَسولُ الله وَالّذینَ مَعَهُ اَشِّداءُ عَلی الکُفّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُم
أهنّئ الشعب الإيراني الشريف والأمّة الإسلامية الكبرى بأيام ولادة الوجود المبارك للنيّر الأعظم، أشرف الخلائق، السراج المنير، صفوة الله، مدينة العلم، حضرة رحمة للعالمين، رسول الإسلام المكرّم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وولادة ابنه الطاهر الطيّب السريرة، حجّة الله البالغة، الإمام جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه.
منذ أن أشرقت شمس وجود خاتم الأنبياء في مكّة المكرّمة، اكتسب أفق سعادة البشر، المرهون بكمال العبودية والطاعة للحقّ جلّ وعلا، تألّقاً آخر؛ فغمر السرورُ أرواحَ الأنبياء وملائكة الله والقدّيسين، وعضّ شياطين الإنس والجنّ أناملهم غيظاً وحسرةً وغمّاً. ذلك لأنّ أفضل خلق الله في جميع عوالم الخلق التي لا تُحصى كان يطأ عالم التراب، وسرعان ما كان سيمضي، متّشحاً بخلعة النبوّة والخاتمية، حاملاً القرآن العظيم ومهمّة الهداية الشاملة للإنسان، ليرسم مسيرة قافلة البشرية العظمى نحو العبودية والتكامل إلى الله. إنّ حياته وحياة أوصيائه المعصومين كلّها درس في الهداية والعبودية، ودرس في المعرفة والمحبّة، ودرس في العقيدة والجهاد، ودرس في الحياة والأخلاق الحسنة الفردية والاجتماعية، ودرس في الأمانة والصدق، ودرس في العزّة والكرامة، ودرس في العلم والعمل، ودرس في الرحمة والحزم، ودرس في القسط والعدالة، ودرس في الوحدة والأخوّة. وكلّما أُحسن تعلّم هذه الدروس والعمل بها، تيسّر لأبناء البشر بلوغ قمم السعادة والفلاح. ونحن نعتقد أنّ الروح المطهّرة لنبيّ الرحمة، وكذلك الأرواح الطيبة للأوصياء والحجج الطاهرين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، رقيبة دائماً على أحوال المسلمين والمجتمع الإسلامي، هادية لهم، رؤوفة بهم. فإذا صدر خطأ من أبناء هذا الأب الرحيم الجليل تألّم خاطره، وإذا عمل المسلمون بدروسه وأوامره سُرّ قلبه المبارك.
والآن، بعد أن اجتاز الإسلام وأهله عصوراً صعبة مضطربة، وقطعوا صعوداً وهبوطاً متعدّداً منذ الصدر الأوّل حتى اليوم، بلغ مرحلةً مصيرية حاسمة. فاليوم يستطيع المسلمون أن يؤدّوا دوراً شديد التأثير صانعاً للتاريخ. اليوم هو اليوم الذي صار فيه أفق الغلبة النهائية للحقّ على الباطل، وللإسلام على الكفر، أقرب إلى التحقّق بكثير ممّا كان عليه في جميع العصور الماضية.
والشرط الأوّل لهذا الأمر المهمّ هو اتّحاد كلمة المسلمين. فوحدة المسلمين في مواجهة الكفر العالمي استراتيجية قرآنية وتعليم أصيل من تعاليم الإسلام المحمّدي الأصيل صلوات الله وسلامه عليه وآله، وليست مسألة سطحية عابرة. والمقصود بالوحدة أن تكون النقاط المشتركة بين الجميع، على المستوى العام للمجتمعات الإسلامية، هي المحور والأصل. وبطبيعة الحال، يُسعى إلى أن تتحوّل نقاط الافتراق إلى نقاط مشتركة، استناداً إلى الحجّة والبرهان، ومع مراعاة جميع شؤون الأخوّة والمرافقة، وعلى النحو الذي يُستفاد من التعاليم القرآنية، في كمال الصلح والصفاء.
والأمر المسلَّم به أنّ على أبناء الأمّة الإسلامية كافّة في المجتمعات الإسلامية، في مواجهة الكفر العالمي، أن يجعلوا المبدأ القرآني «اَشِدّاءُ عَلی الکُفّار، رُحَماءُ بَیْنَهُم» محوراً لفكرهم وقولهم وعملهم، وبهذا تتحقّق الوحدة والاتّحاد الإسلامي. ومتى ابتعد أيّ من شطرَي هذه الرسالة السماوية عن ساحة عمل المسلمين، ابتعدوا هم أيضاً عن مقام العزّة الذي نالوه بحقّ في مدينة الإسلام، وهذه قاعدة لا تتخلّف.
وهذه القاعدة من الأصول والرسائل الأساسية للثورة الإسلامية. فإقامة أوّل أسبوع للوحدة يعود إلى شهر إسفند من عام 1356 هجري شمسي، وإلى زمن النضال ضدّ جهاز الظلم البهلوي؛ حين طرح القائد العظيم الشأن الشهيد أعلى الله مقامه الشريف هذه الفكرة في فترة نفيه في إيرانشهر، فرحّب بها الشيعة والسنّة. وسرعان ما اكتسب «أسبوع الوحدة» صفته الرسمية بعد انتصار الثورة الإسلامية، بتدبير مؤسّس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني قدّس سرّه الشريف. وبفضل الباري تعالى، فإنّ لمسألة الوحدة بين أبناء الأمّة المسلمة نموذجاً ناجحاً لدى الشعب الإيراني، ولم يكن لمكائد الأعداء تأثير كبير في تشويهها.
ولكنّ من المسلَّم أنّ المغرضين يتربّصون دائماً بهذه النعمة الكبرى. وما يبعث فيهم الأمل هو تضخيم الخلافات. فالخلافات العقائدية والمذهبية، وإن كانت تُعدّ وجهاً مهمّاً من مقاصد عدوّ الإسلام، وهو شديد التعلّق باستغلالها، إلّا أنّه لن يكتفي بها، بل يسعى إلى تحويل أنواع الفوارق العرقية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية إلى ذرائع لإيجاد الخلاف بين الشعب المسلم في إيران وفي أيّ بلد إسلامي آخر، ليشهد من هذا المنطلق تمزّق الأمّة الإسلامية واستنزاف قواها، ثمّ يفرض سلطته عليها في الفرصة المناسبة. وقد ورد أمر القرآن الكريم في هذه الموارد في الآية الكريمة «وَ لا تَنازَعوا فَتَفْشَلوا و تَذْهَبَ ریحُکُم». وعليه، فإنّ كلّ فرد، في أيّ موقع كان، يقوم بأيّ عمل يؤدّي إلى التفرقة بين المسلمين ويُحدث التنازع في المجتمع الإسلامي، فقد حقّق مقصود أعداء الإسلام، عالماً كان أو جاهلاً، وعامداً كان أو غير عامد. وكيف يمكن لأحد في هذا الزمان أن ينسب مثل هذا العمل إلى جهله وغفلته، في حين أنّ طواغيت العالم، وعلى رأسهم أمريكا المجرمة، قد أزاحوا الأقنعة الخادعة الواهية عن الوجه القبيح لأهدافهم الاستعمارية ومخطّطاتهم الاستكبارية التسلّطية، ونزعوا القفّازات المخملية الخدّاعة، وأظهروا مخالبهم الدامية للعالم أجمع؟
لقد آن الأوان لأن يتفكّر المسلمون وينظروا إلى الأحداث بدقّة أكبر. فلو كان المسلمون يداً واحدة تشدّ قبضتها بإحكام، أكان الشعب الفلسطيني سيتعرّض هكذا، بلا ملجأ، لظلم المحتلّين وجرائمهم؟ ولو أقامت الشعوب والدول الواقعة على ضفاف الخليج الفارسي اتّحادها تحت راية الإسلام، أكان الأوباش الفاسدون الذين لا هويّة لهم سيجرؤون على الطمع في أراضيها وثرواتها من مسافة آلاف الكيلومترات؟
إنّ توصيتي المؤكّدة والمتكرّرة لحكّام البلدان الإسلامية، ولا سيّما بلدان منطقة غرب آسيا وضفاف الخليج الفارسي، هي: اعرفوا عدوّكم الحقيقي، وأدركوا مخطّطه، وواجهوه. إنّ علاج مشكلات الأمّة الإسلامية هو اتّحاد الكلمة والصداقة والتعاون في طريق الخير والبرّ. وحكّام أمريكا المجرمون والنظام الصهيوني المزيّف أعداءٌ ألدّاء لهذا الاتّحاد وهذه الصداقة. فهم ليسوا أعداءً للجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني وجبهة المقاومة الإسلامية العظيمة فحسب، بل يعادون الأمّة الإسلامية بأسرها، ومنها شعوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، ولا يُستثنى من ذلك حتى حكّام هذه البلدان، الذين يُعدّ كثير منهم متعاونين معهم؛ كما أنّ قلّة الاحترام العلنية واستعمال التعابير القبيحة من قِبَل رؤساء الاستكبار تجاه بعض قادة البلدان الإسلامية لا تزال حاضرة في ذاكرتكم وذاكرتنا القريبة.
إنّ الدرس المهمّ للاتّحاد وعدم التنازع هو الدرس الأوّل لمدرسة الإسلام في كيفية التعامل مع العدوّ والصديق. أمّا الدرس الثاني فهو الدفاع عن بعضنا بعضاً في مواجهة الكفر، والدرس الثالث هو أنواع التعاون والتكامل في مختلف شؤون الحياة المادية والمعنوية للمسلمين، من حيث الثروة والأمن والعلم والتقدّم، ونهاية هذا الطريق ستكون بلوغ الحضارة الإسلامية الحديثة. وعليه، فإنّ الوحدة بين المسلمين هي حجر الأساس لبلوغ الحضارة الإسلامية العزيزة الغالبة. وهذه الحزمة المفهومية والفكرية، التي تنطوي على أملنا للعالم الإسلامي، قد تحقّقت بدورها إلى حدّ مقبول في إيران العزيزة، وتوصية هذا الخادم لأبناء الشعب كافّة مجدّداً هي ألّا يسمحوا بأيّ وجه من الوجوه بظهور أيّ خلاف فيما بينهم.
وفي الختام، أرجو أن يُلقي الظلّ الكثير الرحمة والبركة للّطف الإلهي على المجتمعات الإسلامية، بشفاعات الرسول المكرّم وعترته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، وأن ترتقي يوماً بعد يوم، في ظلّ العمل بالأوامر الإلهية، درجات الرقيّ والعزّة أكثر فأكثر.
والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السيد مجتبى الحسيني الخامنئي 8/شهريور/1405 ـ ۱۷/ربيع الأوّل/1448